منطقة الخان الأحمر (معاليه أدوميم) بين الأطماع الإسرائيلية والحق الفلسطيني

 

جمال البابا

لا تفوت إسرائيل فرصة إلا وتدعي أن لها أطماعاً اقليمية في الضفة الغربية، خاصة عندما يتحدث العديد من الساسة الإسرائيليين ومن يقف خلفهم من صانعي الاستراتيجية الإسرائيلية عن أهمية بعض المناطق في الضفة الغربية لأمن إسرائيل ومستقبلها. وقد حاولت إسرائيل خلال السنوات العشر الأخيرة، أي بعد توقيع اتفاقية طابا 1995، تشكيل رأي عام داخل إسرائيل يدعم هذا التوجه، حتى أن بعض الأحزاب الإسرائيلية، إن لم يكن كلها، طرحت تصوراتها ورؤيتها لطبيعة الحل الاقليمي مع الفلسطينيين مدعية أن هناك مناطق حيوية في الضفة الغربية يجب أن تضم لإسرائيل في أي حل نهائي قادم. ويبدو أن إسرائيل نجحت إلى حد ما بتشكيل رأي عام داخلي يدعم هذا التوجه.

ومنذ تولي شارون سدة الحكم في إسرائيل بدأت الحكومة الإسرائيلية بحملة خارجية لاقناع العالم وخاصة الولايات المتحدة بأن هناك مناطق في الضفة الغربية لا يمكن لإسرائيل الاستغناء عنها لأسباب ديمغرافية واستراتيجية دفاعية ومائية حسب ادعائها، وبالتالي يجب أن تضم هذه المناطق لإسرائيل في أي حل نهائي مع الفلسطينيين، مستندة بذلك على ماكنة اعلامية قادرة على تزييف الحقائق وقلب الأمور. ويبدو أن إسرائيل استطاعت إلى حد ما اقناع الولايات المتحدة بهذا التوجه، واستطاع شارون الحصول من الرئيس الأمريكي جورج بوش على ما يسمى برسالة الضمانات التي تحمل في طياتها اعترافاً أمريكياً بوجود مناطق داخل الضفة الغربية يجب أن يؤخذ التواجد الاستيطاني فيها بعين الاعتبار عند الحديث عن الحل النهائي، والأمر الذي فسر من الجانب الإسرائيلي على أنه موافقة أمريكية ضمنية على ضم بعض المناطق الفلسطينية لها.

إن محاولات إسرائيل تشكيل رأي عام داخلي، وإقناع العالم الخارجي بوجهة نظرها كانت في معظم الأحيان تسندها بمبررات وبيانات حتى وإن كانت قائمة على الخداع والتزييف، الأمر الذي يستدعي من الجانب الفلسطيني وضع استراتيجية لحملة مضادة تهدف إلى دحض الادعاءات الإسرائيلية تستند بالإضافة إلى التسلح بقرارات الشرعية الدولية بالمنطق والبرهان من خلال القرائن والبيانات التي تؤكد أن المناطق التي تدعي إسرائيل بأنها مهمة لأمنها عدا أنها في الأصل أراضي فلسطينية فإنها أكثر حيوية وأهمية لمستقبل الكيان الفلسطيني وتطوره. وتأتي هذه الدراسة كمساهمة متواضعة لتوضيح أهمية منطقة معاليه أدوميم (الخان الأحمر) لمستقبل الدولة الفلسطينية، وهي من أهم المناطق التي تطمع إسرائيل في ضمها، وتفند الادعاءات الإسرائيلية في المنطقة وأنها مخالفة للمنطق والقانون، وجاءت لتحقيق أهداف توسعية محضة.

 * محافظة القدس – معلومات أساسية

تقع محافظة القدس وسط الضفة الغربية بمساحة قدرها 345كم2، تعادل 5.9% من مساحة الضفة الغربية، وتضم هذه المساحة 51 تجمعاً سكانياً فلسطينياً بعدد اجمالي للسكان قدر في عام 2004 بـ 389.7 ألف نسمة*. وتعتبر محافظة القدس من الناحية الطبيعية جزءاً من السلسلة الجبلية التي تمتد من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، وتقع أعلى نقطة في محافظة القدس في منطقة الطور بارتفاع 826م عن سطح البحر بينما أدنى نقطة تقع في عين اللوزة "سلوان" بارتفاع 610م.

ونظراً لعدم اكتمال الدراسات الشاملة في محافظة القدس ولأغراض احصائية، تم تقسيم المحافظة إلى جزئين الأول (منطقة J1) وتشمل ذلك الجزء من المحافظة الذي ضمته إسرائيل عنوة بعيد احتلالها للضفة الغربية في عام 1967، وتضم منطقة J1 تجمعات (بيت حنينا، مخيم شعفاط، شعفاط، العيسوية، الشيخ جراح، وادي الجوز، باب الساهرة، الصوانة، الطور، البلدة القديمة (بيت المقدس)، الشياح، رأس العامود، سلوان، الثوري، جبل المكبر، السواحرة الغربية، بيت صفافا، شرفات، صور باهر، أم طوبا) وتبلغ مساحة هذا الجزء الذي يطلق عليه (القدس الشرقية) نحو 70.5 كم2. ويشمل الجزء الثاني من محافظة القدس (منطقة J2) باقي المحافظة وتضم تجمعات ( رافات، كفر عقب، مخماس، مخيم قلنديا، التجمع البدوي جبع، قلنديا، بيت دقو، جبع، الجديرة، الرام وضاحية البريد، بيت عنان، الجيب، بيرنبالا، القبية،  أم اللحم، بدو، النبي صموئيل، حزما، بيت حنينا التحتا، قطنة، بيت سوريك، بيت إكسا، عناتا، التجمع البدوي الخان الحمر، الزعيم، العيزرية، أبو ديس، التجمعات البدوية في العيزرية وأبو ديس، السواحرة الشرقية، الشيخ سعد).

وتمتد المحافظة من بيت عنان في أقصى الغرب إلى السواحرة الشرقية في الشرق والتي تمتد أراضيها حتى تصل إلى مشارف البحر الميت، ومن كفر عقب ورافات في الشمال حتى صور باهر وأم طوبا في الجنوب.

استعمالات الأراضي

تعتبر طبيعة استعمالات الأراضي في منطقة ما مؤشراً على نمط الحياة السائد في هذه المنطقة وطبيعة النشاط البشري فيها، والجدول التالي يوضح استعمالات الأراضي في المحافظة:

نوع الاستعمال

المساحة (كم 2)

الأراضي الفلسطينية المبنية

38.6

الأراضي التي تسيطر عليها المستوطنات الإسرائيلية

109.3

الغابات والأحراج

-2.0

الأراضي الزراعية

18.1

استعمالات أخرى*

177

جدول يوضح مساحة الأراضي في محافظة القدس حسب نوع الاستعمال للعام 2003[1].

 

يتضح من خلال الأرقام الواردة في الجدول السابق أن مساحة المناطق التي تسيطر عليها المستوطنات الإسرائيلية تبلغ 109.3 كم2 تمثل نحو 32% من مساحة المحافظة، مع الإشارة إلى أن الأجزاء المستغلة من هذه المساحة  الخاصة بالمستوطنات لا تتجاوز 43كم2 تمثل 39% من المساحة الاجمالية التي تسيطر عليها المستوطنات، وهو ما يوفر مساحة واسعة من الأراضي كاحتياطي للتوسع الاستيطاني في المستقبل.

كما يلاحظ أن الأراضي المخصصة للبناء اليهودي تفوق مساحة الأراضي المخصصة للبناء العربي رغم أن عدد التجمعات السكانية العربية يفوق عدد التجمعات الاستيطانية اليهودية وكذلك عدد السكان الفلسطينيين يفوق عدد المستوطنين اليهود وهو ما يجعل نصيب المستوطن اليهودي من الأراضي المستغلة أضعاف نصيب المواطن العربي. أما فيما يتعلق بالطرق كنوع من أنواع استعمالات الأراضي فإن أطوال الطرق المعبدة في محافظة القدس بلغ في عام 2003 نحو 409.4 كم منها 38.1كم طرقاً رئيسية، و27.9كم طرقاً إقليمية، 223.3 كم طرقاً محلية، أما الطرق الالتفافية فبلغت نحو 120.1كم، وهذه الأخيرة يتم استخدامها في الغالب من قبل المستوطنين اليهود فقط.

أما فيما يتعلق بالتجمعات السكانية الفلسطينية الموجودة في محافظة القدس وتحديداً خارج حدود البلدية والتي لها علاقة مباشرة بموضوع الدراسة والبالغة 29 تجمعاً، وهي تجمعات بالإضافة إلى أنها تنتشر بصورة نسبية لصيقة بمدينة القدس، فهي في مجملها تمثل تجمعات سكانية صغيرة في عدد سكانها بحيث يتراوح ما بين 25 ألف نسمة إلى عدة مئات وهو ما يتضح من خلال الجدول التالي:

جدول يوضح عدد السكان ومساحة الأراضي الخاصة بالتجمعات السكانية في منطقة J2 [2]

 

التجمع

عدد السكان

مساحة الأراضي والمناطق المبنية(كم2)[3]

2002

2005

مساحة الأراضي

مساحة المناطق المبنية

مجموع محافظة القدس

376.877

402.721*

345

38.6 كم2**

مجموع منطقة (J1)

239.591

251.289

70.4

14.1

مجموع منطقة (J2)

137.786

151.423

275

24.5

رافات

1904

2093

3777

447

كفر عقب

9333

10257

5472

1922

مخماس

1684

1851

13479

406

مخيم قلنديا

9126

8930

-

320

قلنديا

1034

1137

3940

190

بيت دقو

1435

1577

5393

450

جبع

2903

3191

13407

342

الجديرة

1902

2090

2044

288

الرام وضاحية البريد

22944

25217

5598

3178

بيت عنان

3823

4201

10105

1545

الجيب

4162

4573

8205

4075

بيرنبالا

5460

6000

2682

1158

بيت اجزا

601

661

2382

379

القبية

1855

2038

3084

477

خربة أم الفحم

334

367

-

5

بدو

5709

6274

5392

1601

النبي صموئيل

196

215

2150

104

حزما

5466

6007

10438

644

بيت حنينا البلد

1242

1365

15839

393

قطنة

6720

7385

4550

2740

بيت سوريك

3422

3761

5700

777

بيت إكسا

1407

1546

8473

279

عناتا

8626

9479

30728

1275

الكعابنة

875

961

-

-

الزعيم

2204

2422

-

287

العيزرية

15597

17142

11179

2101

أبو ديس

10858

11932

28232

2033

السواحرة الشرقية

4671

5133

-

307

الشيخ سعد

2157

2370

-

387

تجمعات أخرى

56

61

-

-

 

يلاحظ من خلال الأرقام الواردة في الجدول السابق عدم التناسق بين الوحدات الإدارية وعدد سكانها، إذ يلاحظ وجود وحدات إدارية ذات مساحات كبيرة وعدد سكان قليل في مقابل وحدات أخرى عدد سكانها كبير ومساحات صغيرة. وهذا يرجع إلى طبيعة الأرض ومدى قربها أو بعدها عن مدينة القدس. كما يلاحظ من خلال أرقام الجدول أن معظم المناطق المبنية في التجمعات السكانية مقتربة تماماً من مدينة القدس من جهة الغرب، أما المناطق الشرقية من هذه التجمعات فتعتبر شبه خالية من السكان، وهو ما سهل عمليات مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات كما سنرى فيما بعد، كما يلاحظ مدى التركز السكاني في مدينة القدس الشرقية (J1) مقارنة بالمناطق الأخرى المحيطة (J2) حيث يعيش في الحدود البلدية للمدينة نحو 250 ألف نسمة (فلسطيني) في حين يعيش في باقي المحافظة فقط 150 ألف نسمة، رغم أن مساحة باقي المحافظة تعادل أربعة أضعاف مساحة المدينة وهذا ليس بغريب في مدينة تمتاز بالبعد الديني ومستوى المعيشة المرتفع ونوع الخدمات المتميز.

أما عن التواجد الاستيطاني في المحافظة بوجه عام، فنجد أن عدد المراكز الاستيطانية في محافظة القدس بلغ في عام 2004 أربعين تجمعاً استيطانياً بغض النظر عن حجم التجمع، بمساحة تصل إلى نحو 109 كم2، وتشكل المناطق المبنية نحو 42% من اجمالي المساحة، ويقيم في هذه المستوطنات ما يربو على 235 ألف مستوطن، ونجد أن نصيب منطقة (J1) من المحافظة 183 ألف مستوطن والبقية نحو 50 ألف موزعة على المستوطنات المحيطة بالمدينة داخل حدود المحافظة.

* تجمع مستوطنات معاليه أدوميم

 تعتبر منطقة معاليه أدوميم والمستوطنات المحيطة بها منطقة ذات أهمية خاصة لوقوعها في مجال مدينة القدس ولتأثيراتها الاستراتيجية على الجانب الفلسطيني من نواحي متعددة، في المقابل فإن الجانب الإسرائيلي يدعي أن هذه المنطقة حيوية واستراتيجية لأمنه وبخاصة أمن مدينة القدس، ولديه قناعة بأن المنطقة المحيطة بمدينة القدس سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل مدينة القدس (كعاصمة موحدة لدولة إسرائيل)، فإذا تم فصل محيط المدينة خاصة من جهة الشرق حيث منطقة معاليه أدوميم والمستوطنات المحيطة فإن ذلك سيحرم المدينة من رصيد من الأراضي الضرورية لتنميتها وتوسعها في المستقبل، دون الإكتراث بمصالح الجانب الفلسطيني، كما أن فصل هذه المنطقة سيعيد مدينة القدس إلى الوضع الذي كان سائداً قبل عام 1967، أي بدلاً من أن تكون المدينة واقعة على محور طريق رئيسي، فإنها ستكون واقعة في نهاية طريق رئيس مسدود في أقصى ممر القدس، وهو ما سيحد من تطور المدينة وانتعاشها.

إن الجانب الإسرائيلي ما زال يعتقد أنه إذا لم يكن لمدينة القدس عمقاًَ استراتيجياً باتجاه الشرق فستصبح مهددة، وأن الجهة الشرقية ما زالت تمثل التهديد الأكبر للقدس ومن خلفها إسرائيل، فالمسافة بين نهر الأردن والسهل الساحلي تصل إلى نحو 80كم بينما لا تتعدى هذه المسافة حتى القدس 28كم. وللتغلب على هذا الوضع تقول إسرائيل أنه يتوجب عليها أن تسعى لخلق نوع من التواصل الجغرافي الدائم بين منطقة القدس الأمنية وشمال البحر الميت. وهذا الاقتراح الأصلي هو الذي قدمه يغئال ألون إلى حكومة ليفي اشكول في 26/7/1967 وما يعرف بمشروع ألون، الذي يهدف إلى تعزيز  السيطرة على محيط القدس الدفاعي والاقتصادي.

إن ما سبق يدلل على أن إسرائيل، منذ اللحظة الأولى لاحتلالها الضفة الغربية، وضعت المخططات وسنت القوانين كي تجعل العديد من المناطق في الضفة الغربية في قبضتها وتحت تصرفها، وعلى رأس هذه المناطق منطقة الخان الأحمر (معاليه أدوميم) والمناطق المحيطة بها. هذا الموضوع يستدعي الحديث عن النظام القانوني والمؤسساتي في الأراضي الفلسطينية، حيث أن النظام القانوني والمؤسساتي المسؤول عن تخطيط المناطق الفلسطينية منذ قدوم الاحتلال هو نفس النظام المسؤول عن التخطيط في المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية، ومع ذلك فإن المعايير المطبقة في الحالتين تختلف اختلافاً جذرياً حيث يتم استخدام الخطط الهيكلية كأداة لتقييد حرية البناء في التجمعات السكانية الفلسطينية، ولتعزيز ودعم إنشاء المستوطنات وتطويرها، ومنطقة معاليه ادوميم غير مستثناه من هذا النظام بل إنه يطبق بها بطريقة فجة كما سنرى.

من حيث الأطر المؤسساتية، فإن الخطط الهيكلية الخاصة بالمستوطنات تناقش ويصادق عليها من قبل اللجنة الفرعية الخاصة بالمستوطنات، وهي إحدى اللجان الفرعية العديدة التي تعمل تحت إشراف مجلس التخطيط الأعلى، علماً بأن الإدارة المدنية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية أصدرت بنداً يحدد السلطات المحلية اليهودية في مستوطنات الضفة الغربية كلجان تخطيط خاصة يجوز لها إعداد ورفع الخطط الهيكلية المفصلة والخطط الهيكلية العامة إلى مجلس التخطيط الأعلى، وإصدار تصاريح البناء للسكان على أساس هذه الخطط، مع أنه لم يحدث أن حدد حتى ولو مجلس قروي فلسطيني واحد كلجنة تخطيط خاصة كما ينص على ذلك هذا القانون.

وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن أهم شرط لعرض الخطط الهيكلية على مجلس التخطيط الأعلى، كي يتسنى المصادقة عليها، يكمن في وجوب أن تكون المنطقة المخططة خاضعة لولاية نفوذ السلطة المحلية، وهذا من المفترض أن ينطبق على المستوطنات وعلى التجمعات السكانية الفلسطينية وإذا كان الأمر غير ذلك، أي عدم خضوع المنطقة لولاية السلطة المحلية، يتعين على الإدارة المدنية إعادة ترتيب الحدود الإدارية للسلطات المحلية من أجل تعديل هذه الخطط الهيكلية الجديدة. فعلى سبيل المثال، وصف مكتب المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية الطريقة التي عرضت بها آخر خطة هيكلية محلية خاصة بمستوطنة معاليه أدوميم على المحكمة العليا الإسرائيلية للتصديق عليها كالتالي:

في بداية عام 1990 اتصل رئيس مجلس مستوطنة معاليه أدوميم بالإدارة المدنية طالباً توسيع منطقة نفوذ المستوطنة بـ 18 ألف دونم أخرى، علماً بأن المنطقة التي طلبت معاليه أدوميم إلحاقها بنفوذها كانت خاضعة آنذاك لمنطقة نفوذ مجلس إقليمي بنيامين (منطقة رام الله) ومجلس إقليمي غوش عتسيون (منطقة بيت لحم). وفي 16 أكتوبر 1991، وبعد إجراءات قامت بها المكاتب المعنية بهذا الأمر وقع قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية على قرار استبدال الخارطة، حيث تم بموجبها توسيع منطقة نفوذ معاليه أدوميم بنحو 13500 دونم.

كما أن هناك صعوبات أخرى قد تنشأ عند إقامة المستوطنات في مناطق حددت كمناطق زراعية أو موارد طبيعية في الخطط الهيكلية الخاصة بالمناطق أيام الانتداب البريطاني. غير أن هذه الصعوبات تم تذليلها من قبل السلطات الإسرائيلية العسكرية عند تعديل الخطة الهيكلية الإقليمية رقم 10-0-RJ، حيث سمح ذلك لنظام التخطيط العسكري بإصدار التصريح بإقامة مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القائمة دون التخلي عن الخطط الهيكلية للانتداب التي استغلت استغلالاً فعلياً لتقييد حرية توسيع التجمعات السكانية الفلسطينية، بحيث تقابل المرونة التي تبديها السلطات العسكرية الإسرائيلية تجاه المستوطنات بتطبيق صارم لنصوص القانون المتعلق بتطوير وتخطيط التجمعات الفلسطينية، وحيث لا تتردد إسرائيل في اساءة استخدام نظام التخطيط لخدمة أغراضها[4].

 مصادرة الأراضي

لقد جاءت عملية مصادرة الأراضي المخصصة لإقامة المستوطنات الواقعة ضمن "تجمع معاليه أدوميم" ضمن الوسائل المعروفة التي اتبعتها سلطات الاحتلال لمصادرة الأراضي التي أقيمت عليها معظم المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، فمستوطنة معاليه أدوميم وهي المستوطنة الأكبر من حيث المساحة وعدد السكان أقيمت نواتها من خلال كرافانين وضعا في المكان في عام 1974 بمباركة من حكومة العمل آنذاك، ثم تطور الوضع إلى إقامة نواة لمنطقة صناعية على قطعة من الأرض هي الآن جزء من مستوطنة معاليه أدوميم، وفي عام 1977 قامت جهات مختصة بعملية مسح للمنطقة المجاورة تبين فيها أن مساحة الأراضي الحكومية في المنطقة تبلغ 35 ألف دونم، ومن ثم قامت السلطات الإسرائيلية باتخاذ قرار توسيع حدود المستوطنة، من خلال اعتماد مجموعة من المعايير لها علاقة بنوعية الأرض والجوانب البيئية وتوفير الأرض لغرض التطوير وتكلفة التطوير نفسه. هذه المعايير كانت تؤخذ في الحسبان لتحقيق مصلحة المستوطنة والمستوطنين ولم تأخذ أي اعتبار لحاجات أصحاب الأراضي الفلسطينية الخاصة والعامة سواء في المجال الزراعي أو التطويري.

وفي الثمانينات، وبداية التسعينات وضمن إجراءات إعلان الأراضي على أنها أراضي حكومية، عكفت إسرائيل على ضم أملاك أخرى للمستوطنة كان قد تم مصادرتها والإعلان عنها أراضي حكومية، وبذلك تصل مساحة معاليه أدوميم الآن إلى نحو 53 ألف دونم (إذا أضيف إليها مخطط E1).

إن قضية الإعلان عن منطقة كأرض حكومية هي من مهمة مشرف الإدارة المدنية على أملاك الحكومة، وبعد دراسة أعدها قسم الشؤون المدنية في مكتب المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، وبناءاً عليها أبلغ مندوب المشرف وجهاء ومخاتير القرى المعنية بنية الحكومة الإعلان عن أراضيهم أراضي حكومية وللسكان الحق في الاستئناف أمام هيئة الاستئناف العسكرية.

وحسب منظمة بتسيلم لحقوق الإنسان فإن هذه الاجراءات تعتبر اجراءات باطلة لعدة أسباب منها:

-      الحكومة لم تعتمد في إجراءاتها على القانون الأردني الذي ينبغي على الجيش المحتل تطبيقه.

-      إن عملية المصادرة تتجاوز إجراءات تسجيل الأراضي المنصوص عليها في القانون الأردني والتي علق العمل بها من قبل الحاكم العسكري للضفة الغربية عام 1968 والتي لم يتم أيضاً تجديدها منذ ذلك الحين وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.

-      إسرائيل تفسر حق الدولة في الأراضي على أنه تصريح بالسيطرة على مساحة ضخمة من الأراضي ومصادرتها من أصحابها ونقلها لمصلحة أجانب (المستوطنين) دون الاكتراث بمصالح السكان الأصليين. وهذا تفسير لم يمارسه العثمانيون ولا الانجليز ولا الأردنيون.

-      تشترط إسرائيل إظهار دليل يثبت تسجيل الأراضي من قبل أي فلسطيني يدعي ملكيته للأرض، ونتيجة لذلك فإن الفلسطينيين الذين أعلن عن أملاكهم أراضي حكومية لن يكونوا مسلحين بأي وسيلة للدفاع عن حقوقهم خاصة أن جزءاً كبيراً من الأراضي التي بحوزة الفلسطينيين لم يتم تسجيلها في الماضي، ورفضت إسرائيل تسجيلها فيما بعد.

وحتى لو كانت اجراءات المصادرة شرعية وقانونية، فيجب أن تخصص هذه الأراضي كأملاك عامة، والعامة الذين هم أصحاب هذه الأملاك في الضفة الغربية هم الفلسطينيون لا المستوطنون الاسرائيليون. ولكن سلطات الاحتلال تتصرف على العكس تماماً بمجرد الإعلان عن أرض "أراضي عامة"، وهذا بالتأكيد جزء من اجراءات حرمان الفلسطينيين من حقوقهم في هذه الأراضي حتى أنها تمنعهم من الدخول إليها.

إن الاجراءات التي اتبعتها إسرائيل في مصادرة الأراضي في منطقة معاليه أدوميم لا تتناقض فقط مع القوانين المحلية، ولكنها تتعارض تعارضاً واضحاً مع نص المادة 55 من بنود اتفاقية لاهاي التي تؤكد على أن القوة المحتلة ملزمة بتأمين الممتلكات العامة ولا يحق للمحتل إلا التمتع بحقوق محدودة جداً من ثمار هذه الممتلكات (حق الانتفاع) شريطة عدم إجراء أي تغيرات ملحوظة أو دائمة عليا. فبناء المنازل وشق الطرق وإقامة المجمعات الصناعية والمقابر وما شابه يؤدي إلى تغيير دائم. وبما أن بناء المنازل وشق الطرق كالذي حصل في مستوطنة معاليه أدوميم جاء لمصلحة سكان جلبو من طرف الدولة المحتلة وليسوا من السكان المحليين، فإن ذلك يعتبر انتهاكاًً واضحاً للقانون الدولي.

أما تأثيرات هذه المصادرات على المحيط العربي فقد جاءت بصورة سلبية، حيث أتاحت مصادرات الأراضي في هذه المنطقة إنشاء وتوسيع المستوطنات القائمة هناك، وتوفير احتياطي واسع من الأراضي للتطوير والتوسع. وفي المقابل فقد أدى ذلك إلى تقليص مساحة الأراضي التي قد تخصصها سلطات الاحتلال للتوسع الطبيعي للقرى الفلسطينية في المنطقة. فالسياسة الإسرائيلية المتبعة هي التي تحدد طابع المعطيات والبيانات التي تؤدي إلى التمييز بين الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، صادقت الحكومة الإسرائيلية عام 1992 على ما يسمى "بخطط التماس لثلاث قرى مجاورة" لمستوطنة معاليه أدوميم، والتي جاءت على النحو التالي:

 

اسم التجمع

عدد السكان

الحجم الكلي للمساحة المخصصة بالدونم

معدل نصيب الفرد من المساحة (م2)

أبو ديس (خطة 1603/92)

12000

1302

76.5

عناتا (خطة 1503/92)

10000

1156

115

 العيزرية (خطة 1634/92)

18000

2133

118.5

معاليه أدوميم(خطة420-420)

27000

53000

2120

جدول يوضح حجم الأراضي المخصصة لمستوطنة معاليه أدوميم وقرى عربية مجاورة[5].

 

من خلال الجدول يلاحظ مدى الاجحاف الذي لحق بالتجمعات العربية الثلاثة القريبة من مستوطنة معاليه أدوميم. فمساحة الأراضي المخصصة للتجمعات الثلاثة لا تتجاوز 4600 دونم كأراضي يسمح فيها بالبناء، في حين أن المساحة المخصصة لمستوطنة معاليه أدوميم تبلغ 53 ألف دونم والجزء المستغل في المستوطنة نحو 6000 دونم مع إمكانية توسيعه بمجرد عرض مخطط هيكلي جديد لذلك، كما نجد أن عدد سكان التجمعات الفلسطينية الثلاثة يبلغ نحو 38 ألف نسمة وعدد مستوطني معاليه أدوميم يبلغ نحو 29 ألف مستوطن، أي نحو 68% من عدد السكان العرب، وهو ما يجعل نصيب المستوطن من الأراضي يعادل عشرة أضعاف نصيب الفرد في التجمعات الفلسطينية الثلاثة.

وفي هذا الصدد، لابد من الإشارة إلى أن التجمعات العربية الثلاثة سالفة الذكر، كغيرها من التجمعات السكانية العربية في الضفة الغربية، لديها احتياطي من الأراضي، لكن سلطات الاحتلال تغلق هذه المناطق وتتحكم فيها على أساس أنها مناطق تقع في المنطقة (ج) التي تسيطر عليها إسرائيل أمنياً ومدنياً، وبذلك فهي تمنع أي توسع فلسطيني تجاه هذه المناطق مما يدفع السكان الفلسطينيين إلى التوسع في هذه المناطق من خلال بناء بعض المنازل دون الحصول على التراخيص اللازمة بسبب رفض سلطات الاحتلال إعطاء مثل هذه التراخيص، وهذه المنازل في الغالب تقابل بالهدم من قبل سلطات الاحتلال، وعلى الجانب الآخر نجد أن المستوطنات الإسرائيلية القريبة تمارس فيها أيضاً عمليات بناء غير مرخص، وإن كان في نطاق محدود إلا أنه يتم التغلب عليها من خلال تعديل الخطط ومنح رخص بناء بأثر رجعي، ولا يتم فيها اللجوء إلى سياسة الهدم التي تمارس ضد السكان الفلسطينيين.

هذا فيما يتعلق بمجال التخطيط والبناء، أما على مستوى المجالات الأخرى فنجد أن مصادرة الأراضي قد أضرت بالقطاع الزراعي ضرراً مباشراً، حيث قلصت المصادرات مساحة الأراضي الزراعية وأصبح القطاع الزراعي في المنطقة قطاعاً هزيلاً. وتكاد منطقتي أبو ديس والعيزرية تفتقر لأي نوع من أنواع الزراعة رغم خصوبة التربة في هذه المناطق. أما في المجال الصناعي فقد أقامت سلطات الاحتلال منطقة صناعية ضخمة في المنطقة تسمى ميشور أدوميم، في حين حرمت التجمعات السكانية الفلسطينية من إقامة منطقة صناعية مماثلة، مما اضطر السكان العرب إلى إقامة مصانعهم وورشهم داخل التجمعات السكانية على الرغم مما لذلك من آثار سلبية على البيئة والقدرة على التطور.

هذه الأوضاع الصعبة التي تعيشها القطاعات الاقتصادية في المحيط العربي، سواء في قطاع البناء والتشييد أم في قطاعي الزراعة والصناعة، انعكس بصورة سلبية على قضية العمالة والتشغيل في الوسط العربي، حيث اتجهت معظم القوى العاملة الفلسطينية في المنطقة إلى العمل داخل الخط الأخضر وفي المستوطنات المحيطة وفي مدينة القدس، ولا يخفى على أحد مدى تذبذب سوق العمل في إسرائيل خاصة عندما تربطه سلطات الاحتلال بالأوضاع الأمنية السائدة.

إن تأثير هذا التجمع الاستيطاني الخطير لا يقتصر على المنطقة العربية المحيطة فقط من حيث مصادرة أراضي القرى العربية المجاورة وضرب اقتصادها وإمكانية تطورها، بل يتعدى ذلك، خاصة إذا ما تم تنفيذ المخطط الإسرائيلي بالضم بحيث يشمل تأثيره الأراضي الفلسطينية برمتها، وذلك من خلال الآتي:

-      أن هذا المخطط سيزيد من عزل مدينة القدس بحدودها البلدية عن باقي أجزاء الضفة الغربية الذي سيؤدي بدوره إلى تراجع دور المدينة الاقتصادي والاداري في الضفة الغربية، وسيطلق يد إسرائيل لممارسة المزيد من سياسة التهويد داخل المدينة وتفريغها من سكانها العرب.

-      إن سيطرة إسرائيل على هذا التجمع الاستيطاني، الذي يقع في منطقة تعتبر من أكثر المناطق حساسية من الناحية الاستراتيجية، سوف يجعل إسرائيل متحكمة في كيفية التواصل الإقليمي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ومن ثم بين جنوب الضفة الغربية وقطاع غزة.

نموذج معاليه أدوميم جزء من سياسة عامة