أ. إبراهيم محمد نعمة الله يرتبط الوقف ارتباطاً وثيقاً بالإسلام بشكل كبير على الرغم من ظهوره بشكل أو بأخر في المجتمعات المجاورة سواء في فارس أو بيزنطا، ونظراً للدور الكبير الذي أخذ يلعبه في المجتمعات المسلمة، فبالتدريج أصبح الوقف يُعطى مهام الدولة الإسلامية. وهكذا فقد أصبح الوقف ينشئ الجوامع والكتاتيب والمدارس والمكتبات والمستشفيات والأسئلة، ودور رعاية الأيتام والأرامل في المدن والجسور والاستراحات ما بين المدن والأقنية الزراعية في الريف، كما أصبح أن الأوقاف دور كبير في الثقافة وتنميتها ونشر التعليم والمعارف اللازمة للأفراد والمجتمع للاندماج فيه بشكل أفضل. وقد ازداد دور الوقف في المجتمعات الإسلامية، حتى وصل إلى ذروته في العصر العثماني ، الذي شهد ازدهاراً كبيراً في مختلف المجالات، فكان للوقف دور أساسي في المجال الديني كإنشاء الجوامع والإنفاق عليها، والتعليمي كالمدارس باختلاف أنواعها، والصحي من إنشاء دور الشفاء والمستشفيات، وزراعي من بناء أقنية ري ومطاحن وتجاري من إنشاء خانات وأسواق، فكان للوقف دور كبير في نشأة وتطور المدن والقرى، وكذلك من خلال التصدق أو المساعدة أو فعل الخير للآخرين، واستمرار العمل الخيري بشكل متواصل. وقد تبلور هذا المفهوم في الفقه الإسلامي وأصبح يعرف بالتأبيد، ومع مرور الزمن مع تنوع الوقف أصبح يبرز في المنشات الخيرية والمنشآت الذرية(***). وبالتالي أصبح الواقف حريصاً على نجاح الوقف واستمراره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها". وتعد مدينة الرملة إحدى المدن الفلسطينية التي تحتوي على أوقاف كثيرة مختلفة، ويرى الباحث أن يستعرض لأهم أنواع الأوقاف في المدينة والواقفين عليها، وبيان أهم التوزيعات من خلال جداول توضح الوقفات وأهميتها في المجتمع الرملي، وأثر ذلك على السكان، وعلى الناحية الاجتماعية والاقتصادية. نظام الأوقاف في الإسلام والعالم العربي لقد اختلفت أراضي الأوقاف وأملاكها عن غيرها من الممتلكات، ولم يكن ذلك بسبب : مقاصدها الخيرية، بل ضبطت بشروط رئيسية وهو ما أضفى شرعية عليها، منها أن الأراضي الموقوفة غير قابلة للتصرف فيها، فهي لا تباع ولا ترهن ولا تورث ولا تحول، على أي نحو يكون (1)، كما أن الأراضي الوقفية وأملاكها محبوسة للأبد، والمراد من ذلك التشديد على أن المقاصد الخيرية التي تصرف عليها، مثل المساجد ودور الأيتام قد تضمنت مدخولاً ثابتاً دائماً كما أن إنشاء الأوقاف عملاً لا يمكن الرجوع فيه، ولم يكن في استطاعة الواقف أو أحفاده من بعده الرجوع فيه(2) فكان الهدف من هذه الشروط التوكيد على أن الأوقاف مرصودة للأعمال الخيرية، الأمر الذي كان يمنح الواقف مكانة عالية في مجتمعه. وقد اكتسبت الأراضي الوقفية مضامين القدسية والوقار، لا يمكن النظر إلى الأوقاف بأنه نظام متناه أو نظام ساكن لا يتغير، فقد شهد عملية مستمرة من التحولات خلال الزمن العثماني وحتى يومنا هذا (3). وقد قامت الأوقاف أيضاً بدور مهم في إنشاء ودعم البنية التحتية للمجتمع الريفي، فالأقنية وتخفيض الأراضي، واستصلاحها، وأعمال الري، والجسور، ومخازن الحبوب كانت تعتمد غالباً على أموال الأوقاف، كما كانت الأوقاف تقدم العون إلى المطابخ ودور المساكين والأيتام، و بعض المراكز التجارية المهمة كالخانات، كما قامت الأوقاف بدور أساسي في تأمين النفقات لصيانة المضخات، والآبار والأسبلة، وأقنية المياه والحمامات(4) * الوقف لغة: مصدر بمعنى الحبس أو المنع، وهو وقف الشيء أي حسبه ومنه وقف الأرض على الفقراء والمساكين (أي حبسها).(5) اصطلاحاً: هو حبس العين عن تمليكها لأحد العباد، والتصرف بالمنفعة على الفقراء، وعلى وجه من وجوه البر(6)، وقد ثبت، مشروعيته بالقرآن والسنة والإجماع، فأي حبس عين من دار أو أراضي عن التملك اللاحق من الأولاد والأحفاد، يكون مستنداً إلى الحديث الشريف "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم بالقرآن والسنة والإجماع" فمن القرآن قوله تعالى " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون".(7) * أقسام الأراضي الوقفية الأوقاف في الغالب تشتمل على أراضي وأملاك غير منقولة(8)، وبموجب نص الشريعة فان الأراضي المملوكة(الخاصة) هي وحدها التي يمكن أن توقف، وكان الهدف من تحويل الأراضي المستأجرة والمملوكة من مثل الدولة في نهاية المطاف، والمعروفة بالأراضي الأميرية، أوقافاً، وكانت الأوقاف المقامة من أراضي الملك تسمى "أوقافاً صحيحة"، ولكن بما أن الأراضي الأميرية كانت تورث وتباع وتعتبر ملكاً خاصاً من قبل المستأجرين فقد حدث في الواقع أن كثيراً من الأراضي الأميرية تحول أوقافاً(9). وبموجب المادة (4) من قانون الأراضي قسمت الأراضي إلى قسمين:
أ) الأوقاف الصحيحة وهي العقارات التي تعود لشخص معين، والتي حصل عليها إما بالإرث أو بالشراء، ثم أوقفها لمن بعده، وحكم القاضي بصحة الوقف، وتجري عليها نصوص الشريعة الإسلامية (10)وتمكن تمثيلها من خلال السجلات بوقف الحاج حسين بن أحمد حماد في الدار القائمة البناء في محلة السرايا بقصبة الرملة لأولاده من بعده وأولادهم من بعدهم وما يخرج من ريعه يوزع على الفقراء والأيتام في شهر رمضان والعيد(11) وكذلك وقف محمد أبو كر (وهي دار بمحلة السرايا وقفاً صحيحاً شرعياً على أولاده لكن دور الإيجار وهم عبد الرازق وعبد الرحيم وعبد الحليم وعبد وأمية ورشيدة وقفاً (12). وللمزيد عن الأوقاف الصحيحة، أنظر الجدول التالي للتوضيح:
ب- الأوقاف غير الصحيحة وهي الأراضي المفروزة من الأراضي الأميرية التي أوقفها الأمراء بإذن من السلطان، بحيث تخصص منافعها مثل أعشارها ورسومها لجهة ما(21)، وقد كان هذا النوع في المدن المختلفة منها القدس، وصور وساريس(22) وسميت هذا النوع من الأوقاف بالأرصاد.(23) وبموجب هذا المادة (4) من قانون الأراضي صنفت الأراضي الوقفية غير الصحيحة إلى أراضي أميرية عائدة رقبتها وحقوق التصرف بها للخزينة، وتوجه عائداتها الضريبية إلى الجهة الموقوفة عليها، كالفراغ والانتقال والحل، وأما الصنف الثاني، فتتألف من الأراضي العائدة رقبتها ومنافعها للخزينة وتقوض التصرف بها إلى وجوه الخير، وأما الصنف الثالث فيشتمل على الأراضي التي بقيت على الخزينة من منافعها، وينطبق على ذلك المساجد والمدارس(24). ومن جهة أخرى هناك أوقاف مستثناه، وهي غير مربوطة بنظارة الأوقاف منها بعض الأوقاف التي أسسها الفاتحين العظام، حيث تؤخذ أوقاف عائدة من القديم لكنيسة أودير وهي مقيدة على هذا النحو بدفاتر الطابو وأحكامها، مبينة بمادة (122) من قانون الأراضي(25). وتستند الأوقاف الصحيحة والغير صحيحة إلى نوعية الأراضي والأملاك، كما تستندان إلى علاقتهما بالإدارة "الحكومة"، كما سميت الأوقاف التي أصبحت في ظل الإدارة المباشرة للدولة (بالأوقاف المضبوطة)(26)، كما كان ثمة أوقاف واسعة تعرف بالأوقاف السلطانية، وقد استحدثت اسمها من الفترات التي لم يكن فيها فارق كبير بين أملاك السلطان وأملاك الدولة، ثم أصبحت تعرف بعد ذلك بالأوقاف المضبوطة، ولم تكن الأوقاف الملحقة تدار من جانب الدولة على الرغم من أنها تتولى دور المشرف على الأوقاف الملحقة جراء سيطرتها على المحاكم الشرعية(27) وللمزيد عن الأوقاف الغير صحيحة في الرملة وقراها انظر الجدول الآتي:
وقد أوقفت خاصكي سلطان أوقافاً كثيرة على منشآت من مساجد وزوايا وخانات في الرملة وقراها ومنها: - قرية كفر عانة في مزرعة كفر طاب قرب الرملة - قرية الكنيسة قضاء الرملة. - قرية سبتارة قضاء الرملة (12 قيراطاً) - قرية عنابه قضاء الرملة - قرية سافرية قضاء الرملة (21 قيراطاً) - قرية خربتا قضاء الرملة - قرية يازور قضاء الرملة - قرية يهودية قضاء الرملة (العباسية الآن) - قرية بيت دجن قضاء الرملة (18 وثلث قيراط) - قرية بيت شنا قضاء الرملة - قرية رنطيا قضاء الرملة - قرية نعلين قضاء الرملة (18 قيراطاً) (39) * أنواع الأراضي الوقفية: للوقف نوعان هما أ) خيري: ويستخدم في تقديم الخدمات إلى مرافق المجتمع، مدارس، ومساجد، وأسبلة وزوايا، وغيرها(40). ومن الواضح أن الفارق بين الوقف الذري والوقف الخيري لم يكن له وجود منذ فجر الإسلام، و قيل انه برز في مرحلة لاحقة(41) وذلك للحد من قوة ونفوذ الأعيان الذين يتولون الأوقاف، وقد قامت الدولة العثمانية بإصلاح الأوقاف التي تفيد العائلات الفردية دون أن تضر الخدمات الخيرية والتربوية التي تقدمها الأوقاف(42). ويرصد ريعها لمؤسسات ذات نفع خيري مثل الجوامع والمدارس والزوايا والاسبلة ...الخ، وهو ما أوقفه السلاطين والأمراء وأهل الخير، وما تحول من الوقف الذري نتيجة انقطاع النسل الواقف وعقبه حسب شروط الواقف ويتم صرف ريعه أيضا في أوجه الخير المختلفة كالبيمارستانات (43)، ومن الأمثلة على ذلك في مدينة الرملة وقراها، وقف أبو الهدى، وهو حصة من الأرض من 18 قيراط في السافرية، وحصة وقف حوالي 4 قراريط في (الكرم الكبير في الرملة (44). وللمزيد انظر الجدول التالي:
ب- ذري (أهلي): ويتم رصده للذرية، وأهل الواقف حسب الشروط التي يضعها الواقف، وقد يقتصر على الذرية من الذكور دون الإناث، وقد يشملهم معاً، ومن ثم على الفقراء،لهذا كثر الوقف الذري ، والذي بدأ من القرن الثامن عشر، حيث أكثرت الحكومة من مصادرة أملاك الأغنياء، فرد هؤلاء بتحويل بعض أملاكهم إلى وقف أهلي، وهذا الوقف يسجل في المحكمة الشرعية، وقد أطلق عليه: الوقفية أو حجة الوقف، وتشتمل على المقدمة، وتحديد نوعية الوقف، وشروط الواقف.(63) وكانت الأراضي الموقوفة تتبع في استعمالها المؤسسات الدينية، وترد في أصولها إلى التبرعات سواء كانت أوقافاً خيرية أو أوقافاً ذرية أهلية، فتعود الانتفاع بها لأفراد والعائلة التي أوقفتها، ولا تحول إلى أوقاف خيرية إلا في حالة انقضاء عقب الأسرة التي أوقفها، والأراضي الموقوفة في كلا الحالتين لا تخضع لضرائب خاصة بها(64). لذلك فان هذا القسم من الأوقاف لم تجر عليه المعاملات القانونية والنظامية وأحكام قانون الأراضي، ويقتصر النظر فيها بناءً على ما جاء في كتابات الفقهاء من أحكام(65) والدوافع من وراء هذه الأوقاف وخصوصاً الأوقاف الذرية هو الخوف من بيع الأراضي أو استيلاء أحد المتنفذين أو الدولة عليها(66). ومن الأمثلة التي تدلل على الأوقاف الذرية في مدينة الرملة وضواحيها، وقف السيد الحاج عبد المجيد أفندي نجل المرحوم عبد اللطيف أفندي أبي الهدي التاجي الفاروقي حيث كانت وارداته تمثل حاصل دكان شهيرة بدكان ست أخواتها، الدار الشهيرة بدار الكرزون، وجميع الدار الكائنة بمحلة المفتي الكائنة فوق المعصرة والمنية الملاصقة للمعصرة من الجهة الغربية، وهي شرق الرملة محلة المفتي، وجعلها الأولاد من بعده وتحت تصرفاتهم وحيازاتهم الشرعية بمقتضى حجج وقوانين نظامية(67). وتوضح شعبة الوقف الذري وسط النخبة السياسية والدينية، وكيفية استخدام هذا النظام للحفاظ على القاعدة الاقتصادية ولبسط النفوذ، لذلك كان للأوقاف تأثير على العلاقة بين النخبة السياسية والدينية من جهة والدولة من جهة أخرى. وكان خطر المصادرة من قبل الدولة مصدر قلق دائم بالنسبة للملاك الأغنياء وذوي الأراضي الواسعة، ودرءاً لهذا الخطر عمد الكثيرون منهم إلى تحويل مزارعهم أوقافاً ونصبوا أنفسهم وأولادهم من بعدهم أولياء على هذه الأوقاف للأبد(68) وللمزيد انظر الجدول التالي:
|