نتائج الانتخابات الإسرائيلية وآثرها على

عملية التسوية

جمال البابا

 

منذ انطلاق مسيرة أوسلو والتأثيرات التي سبقتها، التي بمجملها قادت إلى نهج تفاوضي كان سبباً ونتيجة لعملية سلمية متعثرة بدت تغييرات واضحة في المواقف الإسرائيلية من عملية التسوية وآلية تحقيقها، بحيث يمكن تقسيم الموقف الإسرائيلي من عملية التسوية و ما يصاحبها من مفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، إلى عدة مراحل امتازت كل مرحلة بموقف جديد قائم على متغيرات جديدة من وجهة نظر إسرائيل، فالحالة التي سبقت انطلاق عملية السلام ومؤتمر مدريد شهدت المنطقة مجموعة من التغيرات أهمها، الإنتفاضة الأولى وحرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفيتي، في هذه المرحلة بدأت إسرائيل تقتنع بأن الصراع لا يمكن حله بالوسائل العسكرية، وفي نفس الوقت لا يمكن المحافظة على الوضع القائم في حينه بما في ذلك السيطرة على شعب آخر كما برز توجه لدى قطاع واسع من النخبة السياسية في إسرائيل مفاده أن المسيرة السياسية هي في مصلحة إسرائيلية وتساهم في تحسين وضع إسرائيل الأمني والدولي على أن تتم هذه التسوية على مراحل ضمن خطوات محسوبة وهو ما تمخض عنه اتفاق إعلان المبادئ في أوسلو 1993. وبعد غياب رابين اللاعب الإسرائيلي الرئيسي في مشروع التسوية جاء نتنياهو وحاول تجميد المسيرة السلمية من خلال المطالبة بالتبادلية مما ادخل عملية التفاوض في مرحلة مد وجزر، بحيث لم يتحقق شيء يذكر باستثناء اتفاق بروتوكول الخليل.

وبعد وصول باراك إلى سدة السلطة في إسرائيل، أعلن أنه يفضل التوصل إلى حل نهائي بدلا من المراحل التي دعت اليها أوسلو وبلغت الفكرة أقصى مدى لها في مفاوضات كامب ديفيد الثانية والتي فشلت في التوصل إلى حل لإنهاء الصراع وهو ما شهد تحولاً جديداً في الموقف الإسرائيلي، بحيث حاولت الحكومة الإسرائيلية تبني موقف وهو أن تبقي الباب مفتوحاً أمام المبادرات السياسية وفي نفس الوقت لا تغلق الباب أمام العمليات العسكرية.

ومع تسلم شارون السلطة في إسرائيل اعتقد أنه قادر على تنفيذ فكرة تحقيق السلام والأمن معاً من خلال ضرب المقاومة وإنهاء الانتفاضة خلال مائة يوم، وبعد فشله في ذلك تبنى فكرة أنه لن يكون هناك أية مفاوضات دون وقف "العنف والإرهاب" الفلسطيني، إضافة إلى الحملة الشرسة التي شنها ضد الرئيس الراحل ياسر عرفات معتبراً إياه أنه ليس شريكاً في العملية ويجب ازاحته لأنه لا يريد تحقيق  السلام.

في هذه المرحلة دخلت المسيرة السلمية في سبات عميق وأصبحت إمكانية العودة للمفاوضات شبه مستحيلة في ظل احتدام المواجهة خاصة في فترة شارون الثانية، رغم مبادرة بوش وخارطة الطريق التي طرحتها اللجنة الرباعية. في هذه الفترة بدأ شارون يقتنع بعدم وجود إمكانية لحسم الصراع عسكرياً، ومن هنا حاول شارون في ظل عدم وجود شريك فلسطيني كما يدعي، وفي ظل عدم القدرة على الحسم العسكري للصراع، طرح حلول جديدة، فطرح فكرة الفصل أحادي الجانب من قطاع غزة واستبعاد فكرة التفاوض وتجميد أي مبادرات دولية قد تجلب الضرر لإسرائيل ووقف العمل بخارطة الطريق.

هكذا يبدو أن إسرائيل قد تبنت الفصل كخيار استراتيجي لإدارة الصراع من خلال خطوة محدودة في قطاع غزة، هذا الخيار الذي تبناه أولمرت من خلال طرح خطة سماها خطة التجميع، تهدف من وجهة نظره إلى إنهاء الصراع وليس إدارته، وذلك من خلال رسم حدود إسرائيل النهائية من طرف واحد.

نتائج الانتخابات الإسرائيلية (17) وتأثيراتها

في الأعوام الخمسة الماضية بدا واضحاً أن العملية السليمة لم تعد لها الأولوية في سياسات الحكومات الإسرائيلية، هذا التوجه انعكس بدوره مباشرة على الدعاية الانتخابية التي لم تكن العملية السلمية موضوعاً رئيسياً فيها ولم تركز الأحزاب المشاركة في الانتخابات على العملية السياسية في برامجها الانتخابية، وبنظرة فاحصة إلى الخطوط الرئيسية لبرامج الأحزاب والكتل البرلمانية المشاركة في الحكومة الإسرائيلية الجديدة، نجد أنها لا تمانع تنفيذ انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية، فبرنامج حزب كديما يدعم قيام دولة فلسطينية تمثل حلاً لمشكلة اللاجئين شريطة ألا تكون "دولة إرهاب"، بعد ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة والحفاظ على القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.

أما حزب العمل، بالرغم من تأكيده على ضرورة العمل على استئناف المفاوضات السياسية للتوصل إلى تسوية على أساس مبدأ دولتان لشعبين تتحدد حدودها بالمفاوضات بين الجانبين مع طرح ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية إلى إسرائيل والتمسك بالقدس بكل أحيائها اليهودية عاصمة لدولة إسرائيل، فإنه لا يستبعد في ظل جمود سياسي أن تتخذ إسرائيل خطوات أحادية الجانب لضمان المصالح الأمنية والسياسية لإسرائيل.

أما حزب شاس فهو غير متشجع لخطة التجميع خاصة وان مصوتيه على تماس مع معاقل اليمين الذي يعارض الخطة، والمعروف أنه إذا لم تكن شاس راضية من ناحية الميزانيات وقوانين تتعلق بالدين والدولة، فإنها ستنتهز فتح ملف خطة التجميع لمغادرة الحكومة، ويجدر الإشارة هناك إلى أن شاس اتفقت مع أولمرت على أن القرار المستقبلي بالنسبة لإخلاء المستوطنات سيعرض على مؤسسات الحزب لاتخاذ قرار بشأنه[1].

أما حزب المتقاعدين فإن الموضوع السياسي لا يحتل مكانة مهمة في برامج و توجهات الحزب، وقد تم الاتفاق بين قادة الحزب ورئيس الحكومة أولمرت بأن يتبنى الحزب موقف حزب كديما، فيما يتعلق بخطة التجميع. وأخيرا حزب يهودات هتوراه فهو معروف بأنه  بالرغم من ميله لليمين بصفة عامة إلا أنه عادة ما يبدي مرونة في القضايا السياسية.

هذه المواقف والبرامج التي تخص  الإحزاب التي شاركت في الحكومة، انعكست بشكل مباشر على الخطوط الأساس للحكومة الإسرائيلية، والتي جاء فيها تحت البند السياسي والأمني ما يلي:

(في 28 آذار 2006 ألقى القائم بأعمال رئيس الحكومة الوزير يهود أولمرت خطاباً في "نفيه إيلان" فصل فيه مبادئ خطته السياسية والأمنية. حكومة إسرائيل ستعمل على تحقيق الخطة المذكورة حسبما وردت في الخطاب المشار إليه. مرفق نسخة من الخطاب كملحق بالخطوط العريضة يشكل جزءً لا يتجزأ منها(*)):

-   ستواصل إسرائيل العمل بحزم من اجل ضمان أمن مواطنيها وسكانها في إسرائيل والخارج وذلك في مواجهة المنظمات "الإرهابية" التي تهدد بالمس بهم.

-   ستواصل اسرائيل العمل بصورة فعالة، في كل مكان ودون توقف، من اجل إحباط وتشويش ومنع هجمات "إرهابية" ضد مواطنيها وسكانها.

-   ستكمل اسرائيل بالسرعة الممكنة إقامة الجدار الأمني وذلك من اجل توفير أقصى حد من الأمن لمواطنيها وسكانها، مراعاة الاحتياجات الإنسانية للسكان المدنيين الفلسطينيين ومحاولة تجنيبهم معاناة زائدة.

-   ترى الحكومة في بناء القوة العسكرية والأمنية للدولة والمحافظة على قدرتها الرادعة إزاء كل أعدائها، مكوناً حيوياً لا غنى عنه للحفاظ على سلامة ووحدة الدولة وأمن سكانها واستمرار نموها وازدهارها الاقتصادي.

-   مع الانتباه للمبدأ المذكور في البند 13 أعلاه، سوف تتفحص الحكومة إمكانية تقليص ميزانية الأمن، وذلك اعتباراً من السنة المالية 2007 فصاعداً[2].

أما فيما يتعلق بالخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء أولمرت بعد ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية صباح 29 مارس 2006، والذي ا صبح محتواه جزءاً من الخطوط العريضة للحكومة الإسرائيلية الحالية (الحادية والثلاثون)، فأهم ما جاء فيه هو تعهد أولمرت بترسيم الحدود الدائمة لإسرائيل، من خلال إخلاء مستوطنات في الضفة الغربية حتى لو كان ذلك دون التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، رغم أنه أشار إلى أنه سيسعى إلى إبرام اتفاق مع الجانب الفلسطيني، من خلال المفاوضات، وإذا فشلت تلك المفاوضات فإنه، أي أولمرت سيذهب إلى حل أحادي الجانب (خطة التجميع)[3].

خطة التجميع (الإنطواء) إلى أين

تقضي خطة التجميع التي ينادي بها أولمرت ومن خلفه حكومة كديما بضم مساحات واسعة من الضفة الغربية تشمل ما يسمى بالكتل الاستيطانية والقدس الشرقية وغور الأردن إلى إسرائيل مقابل إخلاء بعض المستوطنات المعزولة في الضفة الغربية، ونقل وتجميع المستوطنين في الكتل الاستيطانية من اجل هدف نهائي، وهو ترسيم حدود إسرائيل النهائية من طرف واحد.

إن خطة التجميع التي يطرحها أولمرت، والذي على ما يبدو حتى الآن لديه النية والعزيمة على تنفيذها مدعوما من الاتجاه العام السائد في إسرائيل على ضوء الانتخابات الإسرائيلية، تقوم على مبدأ الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين بهدف الوصول إلى رسم حدود دولة يهودية في إسرائيل. هذا التوجه لدى الحكومة الإسرائيلية الجديدة سيتأثر تنفيذه بمجموعة من العوامل ومواقف العديد من الأطراف التي تؤثر بدورها، بطريقة أو بأخرى، في سير العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويأتي على رأس هذه الأطراف الساحة الداخلية الإسرائيلية والموقف الدولي وخاصة والولايات المتحدة، ومن خلفها اللجنة الرباعية، ثم الموقف الفلسطيني وما يدور في الساحة الفلسطينية.

الساحة الإسرائيلية

الإتجاه العام السائد في إسرائيل الداعي إلى القبول بمبدأ الفصل وترسيم الحدود، لا يعكس بالضرورة نضوج المجتمع الإسرائيلي وقبوله بقواعد التسوية الدائمة مع الجانب الفلسطيني، فبالنسبة للحكومة الإسرائيلية، فإن الانسحاب أحادي الجانب بات يمثل المحور الأساسي للتوجهات السياسية لحكومة إسرائيل في المرحلة المقبلة، وستحاول هذه الحكومة إنجاز هذه الخطة في أسرع وقت ممكن، أي في فترة ولاية الرئيس بوش التي تنتهي في عام 2008.

فالمغزى السياسي لهذه الخطة من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية أولا هو المحافظة على الطابع اليهودي لإسرائيل، والتخلص من الخطر الديمغرافي. وثانياَ، إبعاد صفة الدولة الاستعمارية وانها تتحكم في شعب آخر. وثالثاً قطع الطريق على أي مبادرات سياسية قد تفرض حلاً على إسرائيل يتناقض مع رؤيتها لمصير الأراضي الفلسطينية وطبيعة الحل الذي تراه للقضية الفلسطينية.

عندما طرح شارون  فكرة فك الارتباط  أكد على أنه يجب على القيادة الفلسطينية أن تقرر، هل تحصل على حل بالتفاوض، أم تفرض إسرائيل ما تراه من طرف واحد؟ س ما تفرضه إسرائيل أسوأ للفلسطينيين، والفرق كما رآه شارون هو بين أن تفرض إسرائيل حدود الكيان الفلسطيني من طرف واحد، بحيث يحصر في حدود 40-50% من مساحة الضفة الغربية أو يتم التوصل بالإتفاق الذي تسبقه التزامات أمنية على كيان فلسطين ربما يصل إلى 70% من الضفة وغزة.

وفي المقابل فقد ترك أولمرت خلفه معارضة يمينية متشددة وشرسة تضم ثلاث كتل برلمانية هي الليكود وإسرائيل بيتينو وهئحود هليئومي-المفدال، وهذه الكتل لها مجتمعة 33 مقعدا، وستبذل جل جهودها لتأليب جمهور المستوطنين واليمين الإسرائيلي المتطرف ضد الحكومة إذا قررت الشروع في تنفيذ خطة التجميع، خاصة وان حجم ووضع وأهمية الضفة الغربية ولقوة المستوطنين وحجمهم فيها مختلف تماماً عن قطاع غزة.

أولمرت يبدو أكثر اقتناعا  لفرض خطة التجميع لأنه لا يرى من وجهة نظره وجود قيادة فلسطينية تقبل بالحد الأقصى الذي يمكن أن تطرحه إسرائيل كحد أدنى يمكن قبوله فلسطينياً لحل دائم، إضافة إلى الأساس الذي يقوم عليه حزب كديما، والى حد ما الائتلاف الحكومي الحالي.

فعشية سفره إلى الولايات المتحدة قال أولمرت، أنه من دون شريك فلسطيني لن تكون هناك إمكانية أمام إسرائيل سوى المبادرة لعملية التجميع، وذهب أبعد من ذلك عندما شكك في قدرة الرئيس أبو مازن على أن يكون شريكاً، حيث قال في تصريحاته لشبكة سي أن أن "، أن عباس ضعيف وعاجز على التوصل لاتفاق مع إسرائيل"[4].

وهكذا يبدو أن الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية  منقسمة بين أغلبية هشة تؤيد خطة التجميع وأقلية شرسة تعارض الخطة، ومن ثم فإن المتغيرات الأخرى على الساحتين الفلسطينية والدولية ستكون لها الأثر الأكبر في تحديد ما ستؤول إليه الخطة.

الساحة الفلسطينية

لا يمكن فصل نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتأثيراتها على العملية السلمية بمعزل عما يدور في الساحة الفلسطينية خاصة صعود حركة حماس وفوزها بالانتخابات التشريعية، وتشكيلها الحكومة الفلسطينية، إذ بمجرد فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية، بدأت الأوساط السياسية الإسرائيلية تروج لفكرة أن العملية السلمية ستدخل في حالة جمود والبديل المطروح لذلك هو خطوات أحادية الجانب لأن الجمود يضر بإسرائيل، ومع أن هذه الفكرة كانت مطروحة في الوسط السياسي الإسرائيلي قبل فوز حركة حماس، إلا أن مهمة إسرائيل أصبحت أسهل في تسويق الفكرة خارجياً.

من ناحية أخرى فإن موقف السلطة الوطنية في أن الطريقة الأفضل لإنهاء الصراع مع الجانب الإسرائيلي يأتي عبر المفاوضات وليس من خلال الخطط أحادية الجانب قد عبر عنه الرئيس محمود عباس حين قال "إن خطة إيهود أولمرت لفرض الحدود النهائية داخل عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة مع تخصيص مساحات وشاسعة من الأراضي الفلسطينية للمستوطنين اليهود (خطة التجميع) سيؤدي إلى نشوب حرب أخرى في غضون عشر سنوات" واضاف الرئيس عباس "أن السبيل إلى تحقيق تسوية عادلة هو المفاوضات"[5].

من جانبه قال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أن الحركة ستقابل بالمثل الخطوات الإسرائيلية باتجاه السلام إذا وافقت إسرائيل على الانسحاب من كل الأراضي الفلسطينية التي تحتلها منذ العام 1967، وأقرت بالحقوق الفلسطينية، حيث قال "إذا انسحبت إسرائيل إلى حدود 1967، بما فيها القدس وحق العودة وتفكيك المستوطنات وهدم الجدار والإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين، عند ذلك نحن كفلسطينيين وكعرب يمكن أن نتخذ خطوة جادة تناسب هذه الخطوة الصهيونية"[6].

وفي مقابلة مع صحيفة هآرتس الإسرائيلية قال رئيس الوزراء إسماعيل هنية "إذا انسحبت إسرائيل إلى حدود 1967 سيسود السلام وسنلتزم بهدنة (وقف إطلاق النار) لسنوات طويلة[7]. ويلخص ما سبق إجماعا فلسطينيا على رفض الخطوات الأحادية الجانب ، الأمر الذي سيجعل من المشكوك فيه ان تؤدي هذه الخطوة إلى مزيد من الأمن لإسرائيل.

الساحة الدولية

تعتبر اللجنة الرباعية المرجعية الدولية العليا فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، هذه اللجنة التي يجمع معظم المراقبين على أنها تخضع للسيطرة الأمريكية خاصة وأنها تبنت خارطة الطريق ذات الإخراج الأمريكي، وما تبعها من تفسيرات أمريكية لبنود الخطة، ورغم أن الانسحاب أحادي الجانب الذي تم في قطاع غزة، لم يرد بأي شكل من الأشكال في خارطة الطريق إلا أن اللجنة الرباعية وعلى رأسها الولايات المتحدة رحبت بالخطوة الإسرائيلية، واعتبرتها مرحلة على طريق تنفيذ خارطة الطريق.

وفيما يتعلق بخطة التجميع، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى الخطوة بصورة مختلفة نوعاً ما عن نظرة الجانب الإسرائيلي، فخلال المحادثات غير الرسمية التي سبقت زيارة أولمرت إلى واشنطن بعد تشكيل الوزارة الجديدة، أبلغ مسئولين أمريكيين نظراءهم الإسرائيليين بأن الولايات المتحدة لن تعترف بالحدود الدائمة لإسرائيل بعد تنفيذ خطة التجميع. وأكد مصدر أمريكي في هذا السياق أنه "قد تكون هذه هي الحدود في نهاية الأمر، لكن الاعتراف الدولي بأن هذه هي الحدود الإسرائيلية، سيكون فقط بعد التوصل إلى اتفاق فلسطيني بهذا الخصوص، وذلك حتى لو تم تنفيذ الأمر بعد سنوات. ربما يجب على إسرائيل أن تعترف بأن خط الانسحاب هو حدود مؤقتة وقد يتحول إلى حدود دائمة بعد إجراء تغييرات قليلة عليه بعد مفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في المستقبل[8].

وخلال زيارته إلى الولايات المتحدة حاول أولمرت إقناع الإدارة الأمريكية وخاصة الرئيس بوش بالخطة، وبعد أن وصفها الرئيس بوش بالشجاعة والجريئة، أكد على ضرورة العودة إلى المفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من اجل التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. يفهم من هذا التصريح أن هناك اتفاق ضمني بين الرجلين على أن لا تتعارض خطة التجميع مع رؤية الرئيس بوش للدولة الفلسطينية، وأن لا تنفذ قبل استنفاذ المفاوضات مع الفلسطينيين، وبالتحديد مع الرئيس محمود عباس.

أما الموقف الأوروبي، فقد جاء على لسان سفير الاتحاد الأوروبي في إسرائيل ميرو سيبرمان راوزل، حيث قال أن خطة التجميع تثير الاستغراب لدى كبار المسئولين في الاتحاد الأوروبي، الذين لا يعرفون بالضبط نوايا إسرائيل، وفي كل الحالات فإن الإتحاد الأوروبي لن يعطي الضوء الأخضر لخطوات أحادية الجانب، وأضاف "نحن معنيون برؤية أولمرت يحاول التوصل إلى تقدم باتجاه المفاوضات"[9].

وفي زيارتها لإسرائيل في 19/6/2006 وبعد اجتماعها بوزيرة الخارجية الإسرائيلية، صرحت ممثلة العلاقات الخارجية للإتحاد الأوروبي بنيتا فيريرو فالدز، أن خطة التجميع هي "خطوة شجاعة جداً" إلا أن السلام الثابت والدائم يتم فقط عن طريق الحوار والمفاوضات، وليس عن طريق الخطوات الأحادية الجانب التي لا تؤدي إلى سلام حقيقي[10].

من خلال استعراض مواقف الأطراف خاصة الموقف الإسرائيلي الذي نحن بصدد دراسته، فإنه يجب التأكيد على أن الموقف الإسرائيلي استند إلى الفرضيات الأساسية التالية:

-          انعدام الإمكانية أمام عملية سياسية، بحجة عدم وجود شريك فلسطيني، وأن وفاة الرئيس عرفات وانتخاب أبو مازن لم يؤديا إلى تغيير الرؤيا الإسرائيلية في جوهرها، وذلك في ضوء قناعتهم بأن الرئيس أبو مازن لن يقدم التنازلات المطلوبة للاقتراب من رؤية اسرائيل للحل النهائي.

-                         عدم وجود مجرد إمكانية لادارة مشتركة للصراع، بحجة عدم جاهزية الجانب الفلسطيني لذلك .

-                          

-          انعدام القناعة بإمكانية نجاح الحل العسكري للصراع، وذلك في أعقاب فشل محاولة حسم الصراع عن طريق تبني استراتيجيات هجومية مثل عملية السور الواقي والاغتيالات والقصف الجوي وخلافه.

-          عدم القدرة على الحفاظ على الوضع القائم السياسي والعسكري، وهو ما يستدعي مبادرة إسرائيلية تقطع الطريق على أي مبادرات جديدة أو ضغوط خارجية.

بناءاً على هذه الفرضيات تبنت الحكومة الإسرائيلية الجديدة خطوة أحادية الجانب "التجميع"، ولكن بناء على المواقف المتعددة للأطراف، فإن تنفيذ هذه الخطة يقابله العديد من العقبات والمحاذير سواء على الصعيد السياسي أو الصعيد الأمني أو على الصعيد الداخلي الإسرائيلي.

أولا: على الصعيد السياسي

إن تنفيذ خطوة إسرائيلية أحادية الجانب سيكون بالتأكيد على حساب استئناف العملية السياسية (هدف إسرائيلي معروف ضمناً)، واستبعاد فكرة دولتين لشعبين كما جاء في خارطة الطريق، إن إقامة حدود جديدة ولو مؤقتة في الضفة الغربية وفصل الضفة عن قطاع غزة، وإعادة توزيع القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية سيفرض وقائع وحقائق جديدة على الأرض تضع عقبات أمام إقامة دولة فلسطينية يقبل بها الطرف الفلسطيني، وهو ما سيدفع المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي من المستبعد أن تدعم خطوة من هذا النوع من شأنها أن تقضي على عملية سياسية مثمرة رغم أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي سيبارك انسحاباً إسرائيليا وإخلاء مستوطنات لكنها لن تعترف به على أنه انسحاب نهائي.

 ثانياً: على الصعيد الأمني

في حالة انكفاء إسرائيلي إلى خلف الحدود الجديدة والتي ستكون محددة من خلال جدار الفصل العنصري، فإن ما حدث في قطاع غزة من إطلاق الصواريخ محلية الصنع سيكون مبرراً من قبل المقاومة الفلسطينية خاصة وان إسرائيل مازالت تحتل جزءاً مهماً من الأراضي الفلسطينية، مما يستدعي عودة الجيش الإسرائيلي إلى المدن الفلسطينية وهي عودة إلى المربع الأول، فقد اعتبر السيد خالد مشعل هذه الخطة بمثابة إعلان حرب على الشعب الفلسطيني، كما أن الرئيس محمود عباس صرح، بأن تنفيذ خطة التجميع سيعود بالمنطقة إلى حرب جديدة خلال عشر سنوات.

ثالثاً: على الصعيد الداخلي الإسرائيلي

على الرغم من خطة التجميع لم تحدد عدد المستوطنات التي سيتم إخلاؤها أو عدد المستوطنين الذين سيتم إخلائهم إلا أن إخلاءً على نطاق واسع في الضفة الغربية، يتطلب نقل عشرات الآلاف من المستوطنين من عشرات المستوطنات، هذا الإجراء يتطلب إقناع جبهة اليمين والمستوطنين بضرورة التعاطي بإيجابية مع هذه الخطة، مقابل تجميع المستوطنين داخل الكتل الاستيطانية التي توجد أصلاً داخل أراضي الضفة الغربية، رغم أن  قبول اليمين والمستوطنين بهذا الطرح مشكوك فيه بحجة أن هذه الخطوة لا تمثل نهاية الصراع ولا تنطوي على أي مقابل فلسطيني وهو ما سيواجه بمقاومة من قبل المستوطنين وأحزاب اليمين.

يبدو ان العملية السلمية ستدخل في حالة جمود سياسي ، خاصة وان اسرائيل تواجه عقبات كثيرة في تنفيذ خطة فك التجميع للاسباب سالفة الذكر ، وفي المقابل، فان الحكومة الفلسطينية التي تترأسها حماس غير راغبة في الدخول في عملية سياسية قبل ترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي الذي يحتل الأولوية بالنسبة للحكومة الفلسطينية رغم رغبة الر ئاسة في العودة الى طاولة المفاوضات، وهنا يثار سؤال اعتقد انه مهم الا وهو هل الأمور تسير باتجاه إدارة صراع باتفاق ضمني بين الطرفين بانتظار مستجدات مستقبلية قد تخدم هذا الطرف أو ذاك؟ .

الهوامش


(*) راجع الخطاب المذكور في إصدار مدار العدد 33.


[1] عرب 48، 1/5/2006

[2] الحكومة الإسرائيلية الحادية والثلاثون- أوراق إسرائيلية عدد (33) مدار.

[3] أوراق إسرائيلية العدد 33.

[4] عرب 48، 23/5/2006

[5] الأيام، 8/4/2006.

 [6] القدس، 4/5/2006

[7] هآرتس، 23/5/2006.

[8] هآرتس، 26/4/2006.

[9] معاريف، 13/5/2006

[10] هآرتس، 20/6/2006.


الصفحة الرئيسية | مجلة المركز | نشرة الأحداث الفلسطينية | إصدارات أخرى | الاتصال بنا


إذا كان لديك استفسار أو سؤال اتصل بـ [البريد الإلكتروني الخاص بمركز التخطيط الفلسطيني].
التحديث الأخير:
26/02/2007 01:06 م